طب الجهاز الهضمي (أمراض الكبد، المعدة، والأمعاء)

يُعد طب الجهاز الهضمي من أهم فروع الطب الباطني، نظرًا للدور الحيوي الذي يقوم به الجهاز الهضمي في الحفاظ على صحة الإنسان وحياته. فالجهاز الهضمي مسؤول عن هضم الطعام وامتصاص العناصر الغذائية الضرورية للطاقة والنمو وبناء الخلايا، كما يسهم في التخلص من الفضلات والسموم. وأي خلل يصيب أحد أعضائه قد ينعكس سلبًا على صحة الجسم بأكمله.
يشمل طب الجهاز الهضمي دراسة وتشخيص وعلاج الأمراض التي تصيب أعضاء الجهاز الهضمي، مثل المريء والمعدة والأمعاء والكبد والبنكرياس والمرارة. وتُعد أمراض الكبد والمعدة والأمعاء من أكثر المشكلات الصحية انتشارًا في مختلف المجتمعات، نتيجة عوامل متعددة مثل أنماط التغذية غير الصحية، والتوتر، والعدوى، والعوامل الوراثية. تهدف هذه المقالة إلى تقديم عرض شامل ومبسّط عن طب الجهاز الهضمي، مع التركيز على أمراض الكبد والمعدة والأمعاء، وأسبابها، وأعراضها، وطرق تشخيصها وعلاجها.
لمحة عامة عن الجهاز الهضمي ووظائفه

الجهاز الهضمي هو مجموعة من الأعضاء المترابطة التي تعمل معًا لتحويل الطعام إلى مواد بسيطة يمكن للجسم امتصاصها والاستفادة منها. يبدأ الجهاز الهضمي من الفم وينتهي بفتحة الشرج، ويشمل أعضاءً رئيسية مثل المريء، والمعدة، والأمعاء الدقيقة، والأمعاء الغليظة، إضافة إلى أعضاء مساعدة كالكبد والبنكرياس والمرارة.
تتمثل الوظائف الأساسية للجهاز الهضمي في هضم الطعام ميكانيكيًا وكيميائيًا، وامتصاص الفيتامينات والمعادن والبروتينات والكربوهيدرات والدهون، ثم طرح الفضلات. كما يلعب الجهاز الهضمي دورًا مهمًا في دعم جهاز المناعة، إذ تحتوي الأمعاء على نسبة كبيرة من خلايا المناعة.
أمراض الكبد
أهمية الكبد ووظائفه
يُعد الكبد من أكبر وأهم أعضاء الجسم، ويقع في الجزء العلوي الأيمن من البطن. يؤدي الكبد وظائف حيوية عديدة، مثل تنقية الدم من السموم، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وإنتاج العصارة الصفراوية اللازمة لهضم الدهون، إضافة إلى تصنيع البروتينات المهمة لتجلط الدم.
نظرًا لتعدد وظائفه، فإن أي مرض يصيب الكبد قد تكون له آثار خطيرة على صحة الإنسان.
التهاب الكبد
التهاب الكبد هو حالة شائعة تتميز بحدوث التهاب في خلايا الكبد، وقد يكون حادًا أو مزمنًا. وتنقسم التهابات الكبد إلى نوعين رئيسيين: التهابات فيروسية، والتهابات غير فيروسية.
تشمل التهابات الكبد الفيروسية الأنواع (A وB وC وD وE)، وتختلف في طرق انتقالها وشدتها. فقد ينتقل التهاب الكبد A عبر الطعام أو الماء الملوث، بينما ينتقل التهاب الكبد B وC عن طريق الدم أو العلاقات غير الآمنة. وتظهر أعراض التهاب الكبد في صورة تعب عام، واصفرار الجلد والعينين، وألم في البطن، وفقدان الشهية.
أما التهابات الكبد غير الفيروسية فقد تنتج عن تناول الكحول، أو بعض الأدوية، أو أمراض المناعة الذاتية.

تشمع الكبد
تشمع الكبد هو مرحلة متقدمة من أمراض الكبد المزمنة، يحدث فيها تليف تدريجي في أنسجة الكبد، مما يؤدي إلى فقدان وظائفه الطبيعية. وغالبًا ما ينتج التشمع عن التهاب الكبد المزمن أو الإدمان على الكحول أو مرض الكبد الدهني.
تشمل أعراض تشمع الكبد الاستسقاء، وتضخم الطحال، والنزيف، واضطرابات الوعي. ويُعد التشمع من الحالات الخطيرة التي قد تتطلب زراعة كبد في المراحل المتقدمة.
مرض الكبد الدهني
مرض الكبد الدهني هو تراكم الدهون داخل خلايا الكبد، وقد يكون مرتبطًا بتناول الكحول أو غير مرتبط به. ويُعد هذا المرض شائعًا لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة والسكري وارتفاع الدهون في الدم.
غالبًا لا تظهر أعراض واضحة في المراحل المبكرة، لكن إهماله قد يؤدي إلى التهاب الكبد أو التشمع.
أمراض المعدة
المعدة ووظيفتها
المعدة هي عضو عضلي يقع في الجزء العلوي من البطن، وتعمل على خلط الطعام بالعصارات الهاضمة وتحويله إلى مادة شبه سائلة قبل انتقاله إلى الأمعاء الدقيقة. وتؤدي المعدة دورًا أساسيًا في هضم البروتينات وقتل الجراثيم بفضل الحمض المعدي.
التهاب المعدة
التهاب المعدة هو حالة شائعة تحدث نتيجة تهيج أو التهاب بطانة المعدة. وقد يكون الالتهاب حادًا أو مزمنًا، وتتنوع أسبابه بين العدوى ببكتيريا الملوية البوابية، أو الإفراط في تناول المسكنات، أو التوتر النفسي.
تشمل أعراض التهاب المعدة الشعور بحرقة المعدة، والغثيان، والقيء، وآلام البطن، وفقدان الشهية.

القرحة المعدية
القرحة المعدية هي جرح أو تآكل في بطانة المعدة أو الاثني عشر، وغالبًا ما تنتج عن العدوى ببكتيريا الملوية البوابية أو الاستخدام الطويل لبعض الأدوية. وقد تسبب القرحة ألمًا شديدًا في البطن، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى نزيف خطير.
سرطان المعدة
يُعد سرطان المعدة من الأمراض الخطيرة التي قد لا تظهر أعراضها في المراحل المبكرة. وتشمل عوامل الخطورة العدوى المزمنة ببكتيريا الملوية البوابية، والتدخين، والنظام الغذائي غير الصحي. ويعتمد العلاج على مرحلة المرض، وقد يشمل الجراحة والعلاج الكيميائي.
أمراض الأمعاء
الأمعاء ووظائفها
تنقسم الأمعاء إلى أمعاء دقيقة وأمعاء غليظة، وتُعد مسؤولة عن امتصاص معظم العناصر الغذائية والماء. كما تلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على توازن البكتيريا النافعة داخل الجسم.
متلازمة القولون العصبي
متلازمة القولون العصبي من أكثر اضطرابات الجهاز الهضمي شيوعًا، وهي حالة وظيفية تؤثر على حركة الأمعاء دون وجود سبب عضوي واضح. وتشمل أعراضها آلام البطن، والانتفاخ، والإسهال أو الإمساك.
يرتبط القولون العصبي غالبًا بالتوتر النفسي ونمط الحياة، ويعتمد علاجه على تعديل النظام الغذائي ونمط المعيشة.
التهابات الأمعاء
تشمل التهابات الأمعاء أمراضًا مثل داء كرون والتهاب القولون التقرحي، وهي أمراض مزمنة تنتج عن اضطراب في جهاز المناعة. وتسبب هذه الأمراض آلامًا شديدة وإسهالًا مزمنًا وقد تؤثر على امتصاص الغذاء.

سرطان القولون
سرطان القولون من أكثر أنواع السرطان انتشارًا، ويزداد خطره مع التقدم في العمر. وتكمن أهمية الكشف المبكر في زيادة فرص الشفاء، من خلال الفحوصات الدورية مثل تنظير القولون.
تشخيص أمراض الجهاز الهضمي
يعتمد تشخيص أمراض الجهاز الهضمي على التاريخ المرضي والفحص السريري، إضافة إلى الفحوصات المخبرية والتصويرية. وتشمل وسائل التشخيص تحاليل الدم، والموجات فوق الصوتية، والتنظير الهضمي، والتصوير المقطعي.
الوقاية والعلاج
تعتمد الوقاية من أمراض الجهاز الهضمي على اتباع نمط حياة صحي، يشمل التغذية المتوازنة، وتجنب التدخين والكحول، وممارسة النشاط البدني. أما العلاج فيختلف حسب نوع المرض وشدته، وقد يشمل الأدوية أو الجراحة أو تغيير نمط الحياة.
دور التوعية الصحية
تلعب التوعية الصحية دورًا مهمًا في تقليل انتشار أمراض الجهاز الهضمي، من خلال نشر المعلومات الصحيحة حول التغذية الصحية، وأهمية الفحوصات الدورية، واللجوء إلى الطبيب عند ظهور الأعراض.
خاتمة
في الختام، يُعد طب الجهاز الهضمي من المجالات الطبية الحيوية التي تمس صحة الإنسان بشكل مباشر. وتمثل أمراض الكبد والمعدة والأمعاء تحديًا صحيًا كبيرًا، إلا أن التشخيص المبكر واتباع أسلوب حياة صحي يسهمان في الوقاية والعلاج. إن زيادة الوعي الصحي والاستثمار في الرعاية الطبية يشكلان أساسًا لتحسين جودة الحياة والحد من مضاعفات هذه الأمراض.




