المتخصصونالتخصصات الطبية التخصصية

طب الأعصاب الحديث

 آفاق جديدة في علاج الصرع والتصلب المتعدد

مقدمة

يمثل الجهاز العصبي أحد أعقد أجهزة الجسم البشري، حيث يتحكم في كل وظائف الحياة من الحركة والإحساس إلى التفكير والذاكرة. عندما يختل هذا النظام الدقيق، تظهر أمراض عصبية متنوعة تشكل تحدياً كبيراً للممارسين الطبيين. في طليعة هذه الأمراض يأتي الصرع (Epilepsy) والتصلب المتعدد (Multiple Sclerosis – MS) كحالتين مزمنتين تؤثران على ملايين البشر حول العالم، وتتطلبان فهماً عميقاً لآلياتهما المرضية واستراتيجيات علاجية متطورة.

يشهد طب الأعصاب اليوم ثورة حقيقية في فهم وتشخيص وعلاج هاتين الحالتين. فمع التقدم الهائل في البيولوجيا الجزيئية، وتقنيات التصوير العصبي، وتطوير الأدوية البيولوجية، أصبح الأطباء قادرين على تقديم رعاية أكثر دقة وتخصيصاً لمرضاهم. تستعرض هذه المقالة أحدث الممارسات القائمة على الأدلة في إدارة الصرع والتصلب المتعدد، مع التركيز على التطورات العلاجية الحديثة التي ستغير ملامح الممارسة السريرية في السنوات القادمة.

الصرع – من تشخيص النوبة إلى إدارة المرض

1. تعريف الصرع وتشخيصه

يعرف الاتحاد الدولي لمكافحة الصرع (ILAE) والمنظمة الدولية للصرع الصرع بأنه “اضطراب في الدماغ يتميز باستعداد دائم لتوليد نوبات صرعية، بالإضافة إلى العواقب البيولوجية العصبية والمعرفية والنفسية والاجتماعية لهذه الحالة” .

لتشخيص الصرع، وضعت الهيئات العلمية معايير محددة تشمل:

  • حدوث نوبتين غير محرضتين (أو انعكاسيتين) بفاصل زمني يزيد عن 24 ساعة
  • نوبة واحدة غير محرضة مع احتمال عالٍ لتكرار النوبات (لا يقل عن 60%)، مثل وجود آفات دماغية بنيوية أو تغييرات صرعية في مخطط الدماغ
  • تشخيص متلازمة صرعية محددة 

من المهم التمييز بين الصرع والنوبات الحادة التي تحدث في سياق إصابة دماغية حادة، كالسكتات الدماغية أو الالتهابات أو الاضطرابات الأيضية، حيث لا تُصنف هذه الحالات ضمن الصرع .

2. المبادئ الحديثة في إدارة الصرع

2.1. تقييم النوبة الأولى

عند مواجهة مريض بنوبة صرعية مشتبهة، يجب اتباع نهج منهجي يتضمن :

  • التأكد من الحدث: الحصول على رواية شاهد عيان، والتمييز بين النوبة الصرعية والإغماء، الاضطرابات النظم القلبي، نقص السكر، أو الأحداث الوظيفية (النفسية المنشأ)
  • التاريخ الدقيق: توثيق المقدمات، المثيرات، مدة النوبة، السمات الحركية، عض اللسان، التبول اللاإرادي، زرقان، وقت التعافي، والإصابات
  • التاريخ المرضي السابق: إصابات الرأس، الالتهابات العصبية، السكتات الدماغية، انسحاب الكحول أو الأدوية، الحرمان من النوم
  • التصعيد الفوري للحالات الخطرة: اضطراب الوعي المستمر، العجز البؤري المستمر، النوبات المتكررة، الحمل، إصابة الرأس، أو الشك بعدوى الجهاز العصبي المركزي

2.2. الإحالة المتخصصة

يحتاج المرضى الذين يشتبه بإصابتهم بالصرع إلى تقييم متخصص، حيث يجب أن تتضمن الإحالة المعلومات التالية لتسريع العملية :

  • خلاصة رواية الشاهد
  • تسلسل الأحداث الزمني
  • مرحلة التعافي والإصابات
  • الفحص العصبي
  • فحص الجلوكوز، تخطيط القلب عند الاشتباه بالإغماء
  • الأدوية والمواد المتعاطاة
  • أي علامات خطر (حمل، أحداث متكررة، عجز بؤري)

3. الإرشادات العلاجية الحديثة

3.1. الأدوية المضادة للصرع

تستند إدارة الصرع إلى استخدام الأدوية المضادة للصرع (AEDs) مع الالتزام بالمبادئ الأساسية التالية :

  • البدء بعلاج وحيد: يُفضل البدء بدواء واحد مضاد للصرع، مع زيادة الجرعة تدريجياً حتى السيطرة على النوبات أو ظهور آثار جانبية
  • تجنب التوقف المفاجئ: لا يجب إيقاف الأدوية المضادة للصرع فجأة دون إشراف متخصص، لخطورة حدوث نوبات انسحابية أو حالة صرعية
  • احتياطات الحمل: بالنسبة للنساء في سن الإنجاب، يجب الانتباه بشكل خاص للمخاطر المرتبطة بالحمل. يحمل دواء فالبروات مخاطر تكوينية كبيرة، ويخضع لضوابط صارمة في الاستخدام. كما يخضع دواء توبيراميت لضوابط مماثلة .

3.2. الإرشادات السريرية وتحديثاتها

تعمل الهيئات العلمية باستمرار على تحديث الإرشادات العلاجية لتواكب التطورات الحديثة. تخطط الأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب (AAN) لإصدار تحديثات مهمة في مجال الصرع خلال السنوات المقبلة، بما في ذلك :

  • مستويات الأدوية المضادة للصرع خلال الحمل والرضاعة: تحديث للمرضى في سن الإنجاب (متوقع أوائل 2028)
  • تحديث معدلات الموت المفاجئ غير المتوقع في الصرع وعوامل الخطورة (متوقع أوائل 2027)

4. دور التقنيات الحديثة في تحسين النتائج

تشهد رعاية الصرع تطوراً كبيراً بفضل التقنيات الحديثة. ففي المراكز المتخصصة مثل كليفلاند كلينك، يجري تطوير نماذج تعلم آلي باستخدام تخطيط الدماغ السطحي للتنبؤ بنتائج جراحة الصرع . كما أحدث تخطيط الدماغ داخل الجمجمة باستخدام المساري العميقة (SEEG) ثورة في التحقيق الجراحي للصرع المقاوم للأدوية، مما مكن الأطباء من رسم خرائط شبكات النوبات بدقة عالية وتوجيه الخيارات العلاجية بشكل أكثر دقة .

التصلب المتعدد – من التشخيص إلى العلاج المخصص

1. تحديثات المعايير التشخيصية

شهدت معايير ماكدونالد لتشخيص التصلب المتعدد تحديثات هامة في عام 2024، تمثل تقدماً كبيراً في الكشف المبكر عن المرض. تتضمن هذه التحديثات مؤشرات حيوية جديدة ونطاقاً أوسع قد يؤدي إلى التدخل المبكر وتحسين النتائج للمرضى .

2. مبادئ إدارة التصلب المتعدد

تستند إدارة التصلب المتعدد الحديثة إلى مبادئ محددة أوصت بها الأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب :

2.1. بدء العلاج المعدل للمرض

  • الوصول إلى جميع العلاجات المعتمدة: يجب أن تتاح للمرضى فرصة الاستفادة من جميع الأدوية المعدلة للمرض المعتمدة
  • جلسة مخصصة لبدء العلاج: ينبغي مناقشة وبدء العلاج المعدل للمرض في جلسة مخصصة لذلك
  • اتخاذ القرار المشترك: حوار مستمر بين الطبيب والمريض حول العلاج الأمثل
  • تحديد توقعات واقعية: يجب أن يدرك المريض أن الهدف الأساسي من العلاج المعدل للمرض هو تقليل الضرر المستقبلي للجهاز العصبي المركزي، وليس تحسين الأعراض الموجودة كالإرهاق أو الألم

2.2. أهمية الفعالية العالية المبكرة

تتراكم الأدلة لدعم استخدام العلاجات عالية الفعالية مبكراً في مسار المرض، حيث ثبت أن ذلك أفضل لتجنب الإعاقة المتأخرة. كما ينبغي تطبيق مفهوم “العلاج نحو الهدف” (Treat-to-Target) .

2.3. متى يجب تغيير العلاج؟

وفقاً لإرشادات الأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب، يجب مناقشة تغيير العلاج المعدل للمرض عند وجود أي من العلامات التالية لدى المريض الذي يتلقى العلاج لمدة عام أو أكثر :

  • نوبة سريرية واحدة أو أكثر
  • تطور الإعاقة في الفحص العصبي
  • ظهور آفتين جديدتين أو أكثر في التصوير بالرنين المغناطيسي

كما تشمل الأسباب الأخرى لتغيير العلاج: إرهاق المريض من الحقن، الآثار الجانبية للأدوية، التغير في نسبة الفائدة إلى المخاطر، أو اعتبارات الحمل .

3. التطورات العلاجية الحديثة

3.1. مثبطات BTK – فئة دوائية واعدة

تمثل مثبطات بروتون تيروزين كيناز (BTK) أحدث التطورات في علاج التصلب المتعدد. تتميز هذه الأدوية بأنها تخترق الجهاز العصبي المركزي، مما يمكنها من استهداف الخلايا الدبقية الصغيرة (microglia) والخلايا البائية داخل الجهاز العصبي، بالإضافة إلى تأثيرها على الخلايا البائية خارج الجهاز العصبي .

تولبروتينيب (Tolebrutinib):
هو أحد مثبطات BTK الواعدة، ومن المتوقع أن يتخذ إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) قراراً بشأنه للنصف الأول من عام 2026 لعلاج المرضى المصابين بالتصلب المتعدد الثانوي المترقي غير الانتكاسي (nrSPMS) .

أظهرت نتائج تجربة المرحلة الثالثة HERCULES أن تولبروتينيب أدى إلى تأخير تطور الإعاقة المؤكدة لمدة 6 أشهر بنسبة 31% مقارنة بالدواء الوهمي (HR 0.69; 95% CI 0.55–0.88; P = .0026)، كما ضاعف احتمالية تحسن الإعاقة المؤكدة (HR 1.88; 95% CI 1.10–3.21; P = .021) .

في تحليلات لاحقة، كان التأثير العلاجي أكبر لدى المرضى الذين لديهم عدد أكبر من الآفات المحيطية ذات الحلقات المغناطيسية (paramagnetic rim lesions)، حيث لوحظ انخفاض بنسبة 54% في تطور الإعاقة المؤكدة لدى المرضى الذين لديهم 4 آفات أو أكثر .

3.2. تطورات أخرى في علاج التصلب المتعدد الانتكاسي

عُرضت في مؤتمر ACTRIMS 2026 بيانات مهمة حول خيارات علاجية جديدة :

  • أوبيكسيليماب (Obexelimab): أظهر هذا الجسم المضاد وحيد النسيلة فائدة ملحوظة مقارنة بالدواء الوهمي في تقليل الآفات الجديدة في تجربة MOONSTONE
  • أوفاتوموماب (Ofatumumab): أظهرت التجارب فائدة هذا الجسم المضاد في مجموعات فرعية مهمة، بما في ذلك المرضى من أصل إسباني أو لاتيني والمرضى غير المعالجين سابقاً
  • فريكساليماب (Frexalimab): كشفت دراسة بروتيومية عن تغيرات جزيئية مناعية مواتية لدى المرضى المعالجين بهذا العامل التجريبي

3.3. مؤشرات حيوية للاستجابة للعلاج

أظهرت الدراسات أن قياس سلسلة الضوء العصبية (neurofilament light chain) في الدم بعد بدء علاج أوسيرليزوماب يمكن أن يتنبأ بالاستجابة للعلاج في التصلب المتعدد الانتكاسي .

4. التشخيص التفريقي: تحديات سريرية

يواجه الأطباء أحياناً تحديات في التمييز بين التصلب المتعدد وأمراض التهابية أخرى تصيب الجهاز العصبي المركزي. على سبيل المثال، يمكن أن يحاكي داء بهجت العصبي (Neuro-Behçet’s disease) أعراض التصلب المتعدد، حيث يظهر مع آفات في الجسر (pons) والجسم المخطط والمهاد والنخاع الشوكي، وغالباً كالتهاب النخاع المستعرض الطويل (longitudinally extensive transverse myelitis) .

العلاقة بين الصرع والتصلب المتعدد

تشير الأدلة السريرية إلى وجود تداخل مهم بين الصرع والتصلب المتعدد. فقد توثق التقارير حالات يظهر فيها الصرع كعرض غير نمطي لبداية التصلب المتعدد .

في دراسة حالة لامرأة تبلغ 56 عاماً، كانت النوبات الصرعية العرض الرئيسي للمرض، واستمرت على الرغم من العلاج بمضادات الصرع، حتى تم تشخيص التصلب المتعدد وعلاج بنبضة من الستيروئيدات، مما أدى إلى تحسن النوبات بشكل ملحوظ . تؤكد هذه الحالة أن التحكم الفعال في النوبات يرتبط غالباً بمعالجة المرض الكامن، ويشير إلى أهمية إجراء تصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ والنخاع الشوكي عند المرضى الذين يعانون من نوبات غير مفسرة مع آفات دماغية مزمنة .

آفاق المستقبل في طب الأعصاب

مع دخولنا عام 2026، تترقب الأوساط الطبية العديد من القرارات التنظيمية المهمة التي ستغير ملامح الممارسة السريرية :

1. قيد الموافقة التنظيمية

الدواءالمؤشرآلية العملالأهمية
تولبروتينيبالتصلب المتعدد الثانوي المترقي غير الانتكاسيمثبط BTKأول دواء في فئته للمرضى الذين يعانون من الشكل المترقي
GTx-104النزف تحت العنكبوتية الناتج عن تمزق الأكياس الدمويةصيغة حقن من نيموديبينبديل موثوق للإعطاء الفموي للمرضى بحالات حرجة
تافابادونمرض باركنسونناهض جزئي مستقبلات الدوبامين D1/D5آلية عمل جديدة قد تحسن الأعراض الحركية

2. التوجهات المستقبلية في إدارة الصرع

تتجه الأبحاث في مجال الصرع نحو تطوير علاجات جينية تستهدف الآليات المسببة للمرض، مع التركيز على التغلب على المعوقات التقنية والمعرفية الحالية . كما تستمر الجهود في تطوير نماذج التعلم الآلي للتنبؤ بنتائج جراحة الصرع، مما سيساعد في تحسين اختيار المرضى المرشحين للجراحة .

3. تحديثات الإرشادات العلاجية

تعمل الأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب على تطوير إرشادات جديدة في عدة مجالات، بما في ذلك :

  • العلاج الدوائي للوقاية من الشقيقة (متوسط 2026)
  • علاج الرعاش الأساسي (الربع الأول من 2026)
  • فعالية العلاجات المعدلة للمرض وتحملها للأطفال المصابين بضمور العضلات النخاعي (متوسط 2027)

خاتمة

يمثل الصرع والتصلب المتعدد نموذجين للتحديات والفرص في طب الأعصاب الحديث. فمع تطور فهمنا للآليات الجزيئية والمناعية الكامنة وراء هذه الأمراض، تتوسع خياراتنا العلاجية وتصبح أكثر تخصيصاً لكل مريض.

في مجال الصرع، تركز الجهود على تحسين دقة التشخيص وتوسيع خيارات العلاج الدوائي والجراحي، مع الاهتمام الخاص بالفئات الخاصة كالنساء في سن الإنجاب. وفي مجال التصلب المتعدد، تمثل مثبطات BTK واعدة كبيرة للمرضى الذين يعانون من الأشكال المترقية، بينما تعزز البيانات المتزايدة أهمية البدء المبكر بالعلاجات عالية الفعالية.

يبقى الهدف الأسمى هو تحسين نوعية حياة المرضى، وتمكينهم من العيش بشكل طبيعي قدر الإمكان. ومع استمرار التقدم العلمي والتقني، تزداد قدرتنا على تحقيق هذا الهدف، مما يعيد الأمل للملايين حول العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى